سلمان: طفل التوحد والسيلياك.. صرخة في وجه مجتمع خذله

ضحية خلف الأبواب المغلقة

السلام عليكم، اليوم سأحكي لكم قصة “سلمان”، الطفل التوحدي الذي يعاني أيضاً من مرض “السيلياك” (الداء البطني). سلمان ليس مجرد حالة عابرة، بل هو ضحية لمجتمع بأكمله، ونموذج مصغر لمعاناة فئة واسعة تعاني الويلات في صمت، ومعها تعاني الأسر التي تقوم بالرعاية. هذا هو سلمان.. ضحية المجتمع والنسيان.

بداية الرحلة: صدمة التشخيص المفقود

بعد ولادة سلمان بسنوات قليلة، لاحظتُ بصفتي خاله (شقيق والدته) أعراض عدم الانتباه. من هنا بدأت رحلة المعاناة التي تستمر حتى كتابة هذه السطور. كان سلمان حينها قد أتم السنتين، لكنه لا ينظر في العين، ولا ينطق كلمة واحدة، منزوياً في عالمه الخاص.
كانت الصدمة الأولى هي غياب التشخيص الصحيح؛ فكل الأطباء الذين زرناهم لم يتمكنوا من تحديد حالته، لندخل في دوامة فحوصات منهكة (تخطيط الرأس، السمع، النطق) ترافقت مع مصاريف مادية مهولة.

لطفل سلمان مريض التوحد في طنجة المغرب

“خلف كل صرخة صامتة لسلمان، هناك قلب أمٍّ كان ينسج أحلاماً لا سقف لها. أتذكر جيداً تلك الأيام الأولى، حين كانت شقيقتي تنظر إلى عيني طفلها والبريق يملأ وجهها، كانت تتخيله غداً في مدرسته، يركض بوزرة نظيفة، يمسك قلماً ويخطُّ أولى كلماته: ‘أمي’. كانت تحلم باليوم الذي تراه فيه ينمو أمامها، يختار أصدقاءه، ويحكي لها عن مغامراته في الحي. لم تكن تطلب المستحيل، بل كانت تتمنى أبسط حقوق الأمومة؛ أن تسمع منه جملة واحدة، أو ترى في عينيه نظرة إدراك تفهم خوفها وحبها. لكن هذه الأحلام الوردية اصطدمت فجأة بصخرة الواقع الصلبة، واقع التوحد الذي سرق الكلمات قبل أن تُنطق، والسيلياك الذي جعل حتى لقمة الخبز مصدراً للخطر والوجع.”

طنجة والرباط: مشقة البحث عن علاج

الصدمة الثانية كانت تقنية؛ فمدينة كبرى مثل طنجة لم تكن تتوفر حينها على مراكز للفحوصات الدقيقة، مما اضطرنا للتنقل إلى العاصمة الرباط. كان التنقل يعني مبالغ باهظة وتعباً جسدياً ونفسياً، لنصل في النهاية إلى النتيجة: “سلمان طفل توحدي”. وهنا بدأت الكارثة الكبرى، فلا يوجد في طنجة مركز متخصص حكومي يستوعب هذه الحالات.

لطفل سلمان مريض التوحد في طنجة التنقل الى الرباط

الواقع المادي المأزوم

توجد في المدينة حوالي 3 مراكز، أحدها يوصف بالمتخصص لكن تكلفته الشهرية تتجاوز 2000 درهم. هذا المبلغ مستحيل التوفير لأسرة تعيلها الأم براتب شهري لا يتجاوز 2200 درهم، وهو مبلغ لا يكاد يغطي الأساسيات من مأكل ومشرب وملبس.

وعود الانتظار ومراكز الترويض

سجلنا سلمان في أحد مراكز الترويض التابعة للدولة (بدون ذكر أسماء) منذ أن كان قيد البناء، ومرت أكثر من 4 سنوات دون أن يصلنا الدور، بينما استفاد أطفال سجلوا بعدنا! وعند الاستفسار، كانت الحجة دائماً أن حالته تحتاج “متخصصة ترويض” غير متوفرة حالياً.

لطفل سلمان مريض التوحد

“اليوم، لم يعد سقف طموح هذه الأم هو ‘المستقبل الباهر’، بل صار أقصى أمانيها أن يمرَّ يومها دون أن يهرب سلمان من الباب، أو أن تجد ثمن الدواء الذي لا ينقطع. انكسرت تلك الأحلام الكبيرة وتحولت إلى تساؤلات حارقة تخنق الأنفاس: كيف سيعيش ابني في مجتمع لا يرحم الضعيف؟ وكيف سينمو بجسدٍ ينهكه الجوع والحرمان من أبسط أنواع الغذاء المخصصة لحالته؟ لقد جفَّت دموعها وهي تحاول الموازنة بين عملٍ مضنٍ لتوفير لقمة العيش، وبين رغبتها في احتضان طفلها الذي يحتاج رقابة على مدار الساعة. إنها مواجهة يومية بين ‘أمومةٍ’ تريد العطاء و’واقعٍ’ مادي واجتماعي مرير لا يقدم لها سوى أبواب مغلقة ووعود لا تتحقق، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة مصير طفلها المجهول.”

الوضع الحالي: معاناة بلا بقعة ضوء

يخضع سلمان حالياً لترويض في مركز بأحد أحياء طنجة مقابل 800 درهم شهرياً، لكن للأسف دون نتائج تذكر؛ والسبب يعود لقلة خبرة المروضين وغياب التأطير المهني.
أعلم يقيناً أن نصف علاج سلمان يكمن في تفرغ أمه لرعايته بالمنزل، ولكن من سيعيل أخته وأمه؟ لا دخل لهم ولا معيل.

خطر الهروب والمستقبل المجهول

سلمان الآن في سن الـ 12، وحالته تزداد تعقيداً. لا يستفيد من شهادة الإعاقة ولا من أي دعم للأدوية التي تشتريها والدته بمعاناة شديدة.
لا يمكن تركه دقيقة واحدة؛ فقد هرب من المنزل 3 مرات وعثرت عليه الشرطة مشكورة. نضطر الآن لوضع “سلسلة” في يده تحمل رقم هاتفي خوفاً عليه. في بعض الأحيان أتساءل بحرقة: ماذا لو رحلت والدته؟ من سيهتم بسلمان؟

السيلياك.. الكارثة المزدوجة

سلمان ليس طفلاً توحدياً فحسب، بل مصاب بمرض “السيلياك”، وهو تحدٍ غذائي وصحي لا يقل صعوبة عن التوحد، وهذه قصة أخرى من المعاناة تحتاج لتدوينة منفصلة.

في الختام، قصة سلمان ليست مجرد كلمات تُقرأ وتنتهي، بل هي جرح مفتوح في قلب مدينة طنجة وفي كل بيت يصارع فيه طفل توحدي بصمت. إنني أكتب هذه الكلمات لا لأستجدي الشفقة، بل لأرفع صوتاً نيابة عن أختي المنهكة وعن كل أم تقيد يد طفلها بسلسلة خوفاً عليه من ضياع لا رجعة فيه. سلمان وأمثاله أمانة في عنق المجتمع والمسؤولين، فهل من مجيب يفتح باباً للأمل قبل أن ينطفئ النور في أعين هؤلاء الأطفال؟

أضف تعليق